الشيخ علي أحمد عبد العال الطهطاوي
47
عون الحنان في شرح الامثال في القرآن
يصح أن يكون المراد بالسبيل طريق خروجه من بطن أمه ، فتكون « أل » عوضا عن الضمير ، والمعنى : ثم سبيله ، أي طريق خروج الإنسان من بطن أمه ، يسره اللّه له ، وسهل عليه خروجه ، ويصح أن يكون المراد به أيضا السبيل العام ، أي طريق الخير والشر ، ويكون منصوبا على الاشتغال بفعل مقدر تقديره : ثم يسر السبيل يسره ، فالضمير في يسره للسبيل ، أي سهل السبيل للإنسان ، كقوله تعالى : أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [ طه : 50 ] . وقوله جل وعلا : ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ [ عبس : 21 ] عد الإماتة من النعم ؛ لأنها وصلته في الجملة إلى الحياة الأبدية ، والنعم المقيم ، فَأَقْبَرَهُ أي جعله في قبر يستره ، وإنما لم يقل : فقبره ؛ لأن القابر هو الدافن بيده ، والمقبر هو اللّه تعالى ، يقال : قبر الميت ، إذا دفنه ، وأقبره ، إذا أمر غيره أن يجعله في قبر ، وكان القبر إكراما للإنسان ، حيث لم يكن كغيره من بقية الحيوانات يلقى على الأرض عند موته تأكله الطير ، والهوام ، وتنهشه السباع . وقد أشارت الآية إلى إيجاب المبادرة بتجهيز الميت من غسله ، وتكفينه ، والصلاة عليه ، بالفاء التي تفيد التعقيب من غير مهلة في قوله : فَأَقْبَرَهُ . وقوله تعالى : ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ [ عبس : 22 ] ، أي أحياه بعد موته للبعث ، ومفعول شاء محذوف ، أي شاء إنشاره ، وأنشره جواب إِذا ، وعبر بكلمة إِذا ؛ لأن وقت المشيئة غير معلوم ، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ، فتعلم أوقاتها من بعض الوجوه ، ثم تفوض إلى المشيئة . وقوله : كَلَّا [ عبس : 23 ] ، ردع للإنسان عما هو عليه من الكبر ، والترفع ، والإصرار على إنكار التوحيد والبعث ، وعلى هذا تكون متعلقة بما قبلها ، والوقف عليها حسن ، ويكون قوله سبحانه : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [ عبس : 23 ] ، سببا لهذا الردع ، وهذا ما قاله الزمخشري ، وتبعه البيضاوي ، وقيل : معناها حقا ، وبه قال الجلال المحلى ، وأبو السعود ، وعليه تكون متعلقة بما بعدها ، أعنى قوله : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [ عبس : 23 ] ، والوقف حينئذ قبيح . وقوله تعالى : لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ [ عبس : 23 ] ، أي لم يفعل الإنسان من أول مدة تكليفه إلى حين إقباره ما أمره اللّه به مما افترضه عليه ، فالضمير في يَقْضِ للإنسان